أليساندرو لوكاريلي - قائد ومنقذ بارما العريق قصة روعة

كرة القدم تنتج العديد من القصص، بعضها حزين، بعضها يجعلك تطير من الفرحة، والبعض الآخر ما هو إلّا اختبار لمصداقية أي كاتب في هوليوود مصمّم على جعل القارئ يذرف دموعه عندما يقرأ السيناريو
الفارق بين هوليوود وكرة القدم هو أن حكايات الأخيرة تأتي بلا تخطيط مسبق، لا يتم التمرّن عليها كي تصل للكمال، وبالطبع، المشاعر حقيقية بنسبة 100%
دعوني لا أُطيل عليكم، سأدخل في صُلب ما أريد الحديث عنه
لطالما كان بارما هو محبوب كل عشّاق كرة القدم، بارما هو الفريق الثاني لكل عاشق للكالتشيو، على مدار السنوات، بارما الذي مرّ عليه جيجي بوفون وليليان تورام وستويشكوف وجيانفرانكو زولا وفابيو كانافارو وآخرون
على أيّة حال ولأكن صادق محور قصّتي ليس نادي بارما، بل شخص يمثّل ذلك الكيان بمفرده، كلّما ذُكِرَ إسمه، نستذكر بارما على الفور
الإسم هو أليساندرو لوكاريلي، الرجل الذي رفض أن يشاهد فريقه يموت وتُطمس هويّته
الرجل الذي أفنى عقد من الزمان لخدمة بارما، في مرّ بارما وحلوها، أليساندرو كان حاضرًا، يتصدر كل المشاهد
لنتعمّق أكثر في هذه القصّة
دونادوني قاد بارما للتأهل لليوروباليج مع نهاية موسم 2013/14، فظنّ الجميع أن أيّام بارما قد عادت، لكن ما كان يحدث خلف الكواليس مُرعب
غرامة من اليويفا ومنع النادي من المشاركة في المسابقة الأوروبية بسبب الفشل في دفع رواتب اللاعبين
تبعه خصم 3 نقاط من رصيد النادي في الموسم التالي ثم ازدادت ل7 بسبب مشكلة أخرى في رواتب اللاعبين
لوكاريلي انضمّ لبارما عام 2007 وكان يبلغ من العمر 30 عام آنذاك، النادي كان في دوري الدرجة الثانية وقتها، لكن مع لوكاريلي وتحت قيادة جويدولين، النادي صعد للدرجة الممتازة وثبّتوا أنفسهم كخصم صلب لخمس مواسم متتالية
النادي كان يعاني من مشاكل ماليّة خانقة، أجور اللاعبين تتأخر ثم أصبحت لا تدفع، العديد من اللاعبين فسخوا عقدهم مع النادي، أبرزهم كاسانو
النادي يمر بمشاكل لا حصر لها، اضطراب لا يوصف
لكن صوتًا واحدًا بقي في صف بارما، رجل واحد بقي وفيًا للجيالوبلو، لوكاريلي لم يستلم راتبه خلال ذلك الموسم (2014/15)
بل وتخطّى الأمر حدود الراتب، في عز أزمة الفريق، النادي كان سيخوض لقاء أمام جنوى، أليساندرو كان يؤمّن اللاعبين عبر حافلة استأجرها من ماله الخاص كي يتأكّد من حضورهم جميعًا
في تلك الأوقات، خرج علينا بهذه الكلمات "لأجل بارما، سألعب في الدرجة الرابعة إن تطلّب الأمر ذلك."
في مارس من عام 2015، أعلن النادي إفلاسه، 68 مليون يورو هو إجمالي الرواتب التي لم يدفعها الفريق للاعبيه، عدا عن الديون الأخرى التي فاقت حاجز ال200 مليون
بارما أنهوا الموسم في المركز الأخير برصيد 19 نقطة
ونتيجةً للمِحَن التي مرّ بها النادي وإعلان إفلاسه، هبط بارما لدوري الدرجة الرابعة تلقائيًا
لوكاريلي كان وفيًا لعهده، بقي مع بارما، تحت صفة (شبه محترف)
العديد من اللاعبين رحلوا لإنقاذ مسيرتهم، الكرويّة والماليّة بالطبع
لوكاريلي في ذلك الوقت تعهّد على نفسه أمام جماهير النادي بأنه سيعود ببارما للدرجة الممتازة
سواء كان ذلك مجرّد وعد للتخفيف عن المشجعين أو إيمان حقيقي بما سيحدث، الزمن أثبت أن ذلك التعهّد لا مثيل له
في ذلك الموسم الذي قضاه بارما في الدرجة الرابعة، باع الفريق 9,000 تذكرة موسميّة، ضعف ما باعه في الموسم الذي سبقه (وقتها كان الفريق في الدرجة الممتازة)
ذلك وحده كفيل بأن يخبرك بمدى تعلّق أولئك المجانين في مدرجات إنيو تارديني بمعشوقهم الأبدي بارما
معركة العودة لدوري الدرجة الممتازة قد بدأت
لنسرع بالأحداث قليلًا؟
بارما أنهوا الموسم بلا أي هزيمة، حصدوا 94 نقطة وصعدوا لدوري الدرجة الثالثة
الموسم التالي في دوري الدرجة الثالثة، بارما أنهوه في المركز الثاني، كان يتعيّن عليهم لعب لقاء بلاي اوف أمام أليساندريا، الفوز يعني الصعود خطوة أخرى للأمام، الخسارة تعني البقاء في الدرجة الثالثة
ذلك كان حديث القائد لوكاريلي مع اللاعبين قبل ضربة الإنطلاقة:
"ها نحن هنا، بعدما عانينا كثيرًا، مررنا بلحظات عصيبة طوال الموسم، شعرنا بالخوف والثقة والسعادة، كل شيء مررنا به قادنا للوقوف هنا اليوم، السيريا بي هناك، يفصل بيننا وبينها 90 دقيقة، علينا أن نقدم كل شيء، لنترك أرواحنا في الملعب إن تطلّب الأمر ذلك، ما لن تتمكن أقدامنا من تحقيقه، لننجزه بأرواحنا."
"هناك شيء آخر، لا أعرف ما إن كانت ستتاح لي فرصة أخرى غير هذه، إسدوا لي معروفًا، خذوني للدرجة الثانية."
اللقاء إنتهى بفوز بارما 2-0، الجيالوبلو في السيريا بي، خطوة واحدة تفصلهم عن المجد، والعودة لحيث ينتمون
بارما سيخوضون موسم 2017/18 من أجل هدف واحد، الصعود بإبن ال40 عام لوكاريلي للكالتشيو
البداية كانت كارثية، 3 إنتصارات فقط في أول 9 جولات
لوكاريلي (قلب الدفاع) شعر أن حلمه بالعودة يتدهور، ووعده الذي قطعه لمجانين الجيالوبلو لن يوفي به
ذلك لن يحدث لوكا، فقط إهدأ وثق بالرب
أليساندرو سجل 6 أهداف في 6 مباريات متتالية، نعم، قلب الدفاع فعل ذلك، ربّما أقدامه هرمت، لم تعد قادرة، لكن القلب حاضر، أهداف سجلها لوكاتيلي بروحه لا بأقدامه
لوكاريلي قاد بارما لثمان إنتصارات في 11 جولة، ممّا يعني أن الجولة الأخيرة ستكون معركة للصعود للكالتشيو، لدوري الأضواء
إمبولي حققوا اللقب وصعدوا، بارما كان عليهم خوض معركة ثلاثية مع باليرمو وفروسينوني في الجولة الأخيرة
بارما صعدوا في المركز الثاني بفارق الأهداف عن فروسينوني الذين صعدوا لاحقًا، فيما فشل باليرمو في الصعود
بارما صعدوا، والقائد أليساندرو لوكاريلي وفا بوعده للجماهير
خلال الإحتفالات بالصعود، هذا ما قاله أليساندرو للجماهير
"أُفكّر بهذا اليوم منذ زمن بعيد، حملت بارما بجانب قلبي لعشر سنوات، وهبت نفسي للنادي، وصدّقوني، لو امتلكت أكثر منها لمنحتكم، وعدي الذي قطعته قبل 3 أعوام وفيت به، أنا فخور بكم وفخور ببارما."
في وقت لاحق من ذلك اليوم، ترجّل الفارس عن فرسه، وأعلن اعتزاله، بسن ال41 عام.
نادي بارما تأسس منذ ما يزيد عن مائة عام، مرّ عليه العديد من الأساطير، العديد من النجوم، لكن فقط قميص واحد تم تعليقه بعد رحيل صاحبه
القميص رقم 6، لرمز الوفاء، أليساندرو الإستثنائي لوكاريلي

Comments